
إن الحمد لله نحمده سبحانه ونستعينه ونستغفره، هو وليُّ التوفيق والهُدى، خصَّنا بشهر رمضان للطاعات ما أهناه موردًا، من استبَقَه بلغَ من مراضي الديّان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً نتبوَّأ بها من الجِنان، وأشهد أن نبينا وقدوتنا محمدًا عبده ورسوله خيرُ من صامَ وقامَ رمضان إيماناً واحتساباً
نحن في هذا الشهر الفضيل فيه الرحمة والمغفرة والراحة والسكينة باركه الله عز وجل خاصة لعباده. إنه شهر النعم والمغفرة ، شهر القيام و الصيام، وشهر الذي نزل فيه القرآن في ليلة مباركة. فلنكثر من الأعمال الطيبة، والصدقة والبر والإحسان وإيتاء ذي القربى ونسابق بنور القرآن. ففي هذا الشهر الكريم نجد كل مساجد في أنحاء العالم سوف يكتمل بقراءة القرآن في الصلاة. فيحب المؤمنون القرآن أكثر فأكثر، كل كلمة يقرأها تنعش القلب ، وكل وعد فيه يبني قوة في نفسه ، وكل أمر يصبح عازمًا على تحقيقه بسبب حب لبركات القرآن.
إن كل سورة في القرآن لها مميزاتها – وهي وحدة موضوعية متكاملة، ولو كان من عند غير الله لكان فيه اختلاف كبيرا. وهو كله متناسق في صياغته، وعبارته وكلماته كما أنه متناسب مترابط في موضوعاته ومعانيه. هذه السورة الحديد لها موضوعة خاصة يعبر عنها من عنوانها”الحديد” وهي الرسالة في الدعوة والجهاد. قال سبحانه وتعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ. لقد أرسل الله تعالى رسولاً وبيّنات من الهدى والفرقان ، ثم أنزل الله الحديد ، وهو يعني السيف والسلاح كما يعبر الإمام الطبري في تفسيره ، تكون فيه قيادة الجهاد وهو أعظم أمرًا وأثقل ثقيلًا.
إن الكفاح من أجل إيصال رسالة الله إلى الأرض ليس بالأمر السهل. ولن يحدث ذلك الأمر لجسم يستريح، ولعب كما أنه لا ينطبق على من ليس لديهم عزيمة وعزة مع الإسلام حتى يصمت بعض المسلمين في هذا الزمان عندما يتعرض الإسلام ونبيه للإهانة من قبل مجموعة من الكفار. لأنه لا يوجد صلابة مع الكفار ، فإن الإسلام يضعف يوما بعد يوم.
وقد ذكر الله تعالى في سورة الحديد عدة مرات عن توجيهات الإنفاق بوعده ، ومكانة الإنفاق العالية في إعلاء دين الإسلام. فبهذا المصقود نجد بأن الإنفاق هي فكرة الرئيسية يجب نقلها. قال تعالى : آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ {سورة الحديد : ٧} وقال تعالى : وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ {سورة الحديد : ١٠} وقد ختم الله عز وجل بهذه الآية بأنه خبير بما يفعله عباده مما يعني بالوعيد لمن ينفق ولا يتوقع إلا الأجر سيُثاب لهم بأعظم أجر.
فالقرآن الكريم يكرّر الفكرة زيادة في معانيها دون أن نشعر بالملل، بأن نجد الفكرة في أثواب متعددة وألوان شتى، فكلما ظهرت في لون ازدادت قرارا في النفس والفكر، فإذا هي قد وصلت إلى القلب والعقل في غير إكراه ولا إلزام. إذا قرأنا هذه السورة بعنايته ، سنجد بأن كل التكرار في القرآن ليس عبثا، بل هناك معنى من معاني جديد من كل تكرار. بسبب توجيهات إنفاق التي أكد الله تعالى عليها في هذه السورة ، أرى أن الله تعالى ذكر ترتيب الإنفاق بعدة صور، منه :
١) الوعيد عن الثواب
قال تعالى : آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ {سورة الحديد : ٧} وقال تعالى : إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ {سورة الحديد : ١٨}
٢) المقارنة الفضل بين المؤمن
لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ {سورة الحديد : ١٠ }
٣) المثل بالقرض
مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ {سورة الحديد : ١١ }
٤) التهديد بالعذاب
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ {سورة الحديد : ٢٠}
٥) التحذير بالنعم
لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ {سورة الحديد : ٢٣ }
٦) وصفة عكسها بالتسخير
الذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ {سورة الحديد : ٢٤}
وبهذا يتضح لنا أن الإنفاق لها قيمة عظيمة عند الله عز وجل. هناك الوعد من الله تعالى لمن يكثر الإنفاق بثروته ، وهناك قدر يرفع الله تعالى للذين ءامنوا منكم درجاته من قبل أن ينصر الله تعالى دينه ، وهناك حذر على عبيده الذين يغرقون بلهو وزينة وتكاثر في الأموال.
كما أعطى هذه الرسالة الواضحة مفادها أن قيمة الإنفاق تسير جنبًا إلى جنب مع الجهد المبذول لرفع رسالة التوحيد حتى لا تكون الدين إلا لله، كما نفهمها من خلال اسم هذه السورة وهي الحديد. وعندما نرى ارتباط هذا الفصل بالفصل أو الجزء بالجزء، فإن الله تعالى يوفق لنا لاستمرارية بهذا الأمر بين الإنفاق والرسالة الدعوية حتى انتصار الله الإسلام.فيجد في الجزء التالي ، وهو الجزء الثامن والعشرين يغمر كل قارئ بنسب أعظم قصة حدثت في العصر الذهبي للإسلام بين مجتمع المسلمين في المدينة المنورة مع نبينا وقدوتنا، والله تعالى أعلم.
محمد عرفان موحدين
طالب الدراسة العليا، كلية العلوم الإسلامية، بجامعة الازهر الشريف